ملا محمد مهدي النراقي
79
جامع الأفكار وناقد الأنظار
الاستدلال بهذا النحو مسلك آخر سوى طريق الاستدلال والمباحثة ، إذ على هذه الطريقة نقول : إن أراد بقوله « مجموع الموجودات . . . إلى آخره - » : انّ المجموع المذكور بشرط كونه موجودا يمتنع أن يصير لا شيئا محضا فهو ممنوع ، ولكن جميع الممكنات الموجودة بشرط الوجود أيضا كذلك بلا فرق . وإن أراد أنّ جميع الموجودات المقيّدة بالوجود يمتنع أن يصير لا شيئا محضا فممنوع وانّما يصحّ ذلك على تقدير وجود الواجب بالذات لا مطلقا ، ومن لم يسلّم وجود الواجب كيف يسلّم ذلك ؟ ! ؛ انتهى . ووجه الاندفاع : أمّا على التعليل الأوّل فظاهر . وأمّا على التعليل الثاني فلأنّ البرهان المذكور دلّ على أنّ الممكنات الموجودة لها اعتباران ، أحدهما : اعتبار أنّها ماهيّات وثانيهما : اعتبار أنّها موجودات ؛ وبالاعتبار الأوّل لا يأبى عن الوجود والعدم ، فلا يمتنع أن يصير لا شيئا محضا ؛ وبالاعتبار الثاني يجب أن يكون لها وجوب ، لأنّ الوجود لا ينفكّ عنه ، والوجوب ينافي صيرورتها لا شيئا محضا وهو لا يحصل إلّا من الواجب بالذات - لما تقرّر - . وحمل بعض الأفاضل امتناع انعدام مجموع الموجودات على انعدامه بالمرّة ، وقال : امتناع صيرورة مجموع الموجودات لا شيئا محضا بالمرّة معلوم بالضرورة - كما هو المشهور - ، ومجموع الممكنات لا يمتنع عليه ذلك ، لأنّ مجموعات الممكنات في حكم ممكن واحد في جواز طريان الانعدام عليها . وأنت تعلم انّ هذا كلام شعري ! . فانّ من لا يسلّم وجود الواجب كيف يسلّم امتناع انعدام مجموع الموجودات بالمرّة . ودعوى البداهة غير مسموعة . فان قلت : قد صرّح المعلّم الأوّل في أثولوجيا بامتناع انعدام الحقائق حيث قال في اثبات بقاء النفس بعد خراب « 1 » البدن : « انّ النفس حقيقة والحقيقة لا تبيد « 2 » » ، فيعلم منه أنّ الحقائق الموجودة لا تنعدم بالمرّة ؛ قلت : لو سلّم ذلك لدلّ على عدم انعدام الحقائق بعد صيرورتها موجودة ، سواء
--> ( 1 ) - الأصل : - خراب . ( 2 ) - ما وجدت هذه العبارة المنقولة عن هذا الكتاب حرفيا فيه ، بل يوجد : فامّا النفس فانّها قائمة ثابتة على حالة واحدة لا تفسد ولا تبيد . راجع : أثولوجيا ، الميمر التاسع ص 122 .